ابن قيم الجوزية

164

الروح

قوله تعالى : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ « 1 » . الآثار التي ذكرها السلف من استخراج ذرية آدم من صلبه ، ثم أخذ الميثاق عليهم وردهم في صلبه وأنه أخرجهم مثل الذر وأنه أخرجهم مثل الذر وأنه سبحانه قسمهم إذ ذاك إلى شقي وسعيد وكتب آجالهم وأرزاقهم وأعمالهم وما يصيبهم من خير وشر ، ثم قال : قال إسحاق : أجمع أهل العلم أنها الأرواح قبل الأجساد استنطقهم وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ ، قالُوا : بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ ، هذا نص كلامه وهو ما ترى لا يدل على أن مستقر الأرواح أبو محمد حيث تنقطع العناصر بوجه من الوجوه بل ولا يدل على أن الأرواح كائنة قبل خلق الأجساد ، بل إنما يدل على أنه سبحانه أخرجها حينئذ فخاطبها ، ثم ردها إلى صلب آدم ، وهذا القول وإن كان قد قاله من السلف والخلف فالقول الصحيح غيره كما ستقف عليه إن شاء اللّه ، إذ ليس الغرض في جواب هذه المسألة الكلام في الأرواح ، هل هي مخلوقة قبل الأجساد أم لا ، حتى لو سلم لأبي محمد هذا كله لم يكن فيه دليل على أن مستقرها حيث تنقطع العناصر ولا أن ذلك الموضع كان مستقرها أولا . فصل [ الرد على من قال أن مستقر الروح العدم المحض ] وأما قول من قال مستقرها العدم المحض . فهذا قول من قال إنها عرض من أعراض البدن وهو الحياة ، وهذا قول ابن الباقلاني ومن تبعه . وكذلك قال أبو الهذيل العلاف : النفس عرض من الأعراض ولم يعينه بأنه الحياة كما عينه ابن الباقلاني ، ثم قال : هي عرضي كسائر أعراض الجسم . وهؤلاء عندهم أن الجسم إذا مات عدمت روحه كما تقدم وسائر أعراضه المشروطة بالحياة ، ومن يقول منهم أن العرض لا يبقى زمانين كما يقوله أكثر الأشعرية « 2 » فمن قولهم أن روح الإنسان الآن هي غير روحه قبل وهو لا ينفك

--> ( 1 ) سورة الأعراف ، الآية 112 . ( 2 ) من ينتسبون إلى أبي الحسن الأشعري ، وقد ظهر مذهبه في البصرة ، ويعتبر الأشاعرة والماتريدية أصحاب مذهب واحد لأن كلا من المذهبين يكمل الآخر في منهجه وفكره . -